free page hit counter
مقالات

موقف النهضة من الرئاسيات في تونس بقلم مقداد اسعاد

موقف النهضة من الرئاسيات في تونس
بقلم مقداد اسعاد
أخلطت نتيجة الانتخابات التشريعية ل 26 أكتوبر الماضي أوراق وحسابات الانتخابات الرئاسية. كانت حركة النهضة دعت منذ عدة أشهر إلى رئيس توافقي، لعل الداعين لهذا المقترح الغريب كانوا تصوروا هذا السيناريو أو ما هو قريب منه، وهو صعود المنظومة القديمة إلى الحد الذي لا تستطيع النهضة مجابهتها خاصة بعد ما حصل في مصر وتراجع الثورات العربية. النهضة أعلنت منذ البداية أنها لا تقدم مرشحا منها للرئاسيات لعله لعلمها أن الإسلاميين لا يفوزون لأنهم لا يصنعون زعيما وطنيا. لهم زعماء تحبهم قواعدهم وتقبل رؤوسهم مما يفسر ديمومة شيوخها زعماء عليها، أما وقد تحول الأمر إلى الشعب، فلا قدرة لهم على الإشعاع خارج تنظيماتهم.
لم يبق للنهضة إلا خياران لا ثالث لهما: إما عدم المشاركة أصلا في الانتخابات الرئاسية وهو موقف غير مقبول لحركة حافظت على رصيدها الشعبي، أو الدعوة لرئيس توافقي يرفع عنها الحرج أمام الجميع. أمام الشعب إن جاء التوافق بأحد رموز النظام القديم، وأمام الخارج إن كان التوافق على أحد الثائرين مثل السيد المرزوقي. ذلك أن النهضة تألم اليوم من ضغط الخارج عليها أوروبيا وعربيا ومغاربيا أن لا تساند حليفها بالأمس. وقد يكون الشيخ راشد وعد أكثر من مرة تلك القوى الخارجية بعدم تأييده. ذلك أن المرزوقي يسبب وجع رأس للكثيرين ومن أهمهم الجنرال السيسي الحليف الجديد للجزائر. يضغط حتى يذهب هذا الذي يستغل منصبه كرئيس في المحافل الدولية يذكر العالم ما تناساه الأقوياء أن بشرا من رابعة العدوية قد وقع دفنهم أحياء وأمواتا في مكعبات الأسمنت.
وليس السيسي وحده من يريد ذهاب المرزوقي ويضغط على قيادة النهضة أن لا تسانده إن هي فشلت في فرض دعم المنظومة القديمة على قاعدتها. قاعدة النهضة ومعظم قياداتها يدعمون المرزوقي، ينافحون بقوة داخل وخارج المؤسسات لحمل الحركة على أخذ الموقف الصحيح. لكن بعضا ممن تنفذوا في التنظيم انبطحوا وارتبطوا مصلحيا بالمنظومة القديمة، سيطرت عليهم قناعة أن الثورة ليست سوى كذبة كبيرة ذهبت ولا بد للحركة أن تتصرف بواقعية وتتحالف مع أقوياء الأمس المدعومين اليوم من كل جهة، في هجمة شرسة على الربيع العربي ليدفن بالانتخاب كما دفن في مصر بالانقلاب. مسكين الشيخ راشد الغنوشي، هو اليوم واقع بين مطرقة الخارج وسنديان الثبات التونسي والنهضوي في العمل على الإبقاء على جذوة ربيعه وثورته.
بالنظر إلى ما آلت إليه الأمور إلى الآن فان الشيخ راشد يكون حقق للخارج الذي ضغط عليه نصف الهدف ويتمثل في تأجيل انطلاقة المرزوقي. بكل المقاييس الموضوعية والمبدئية كان على النهضة أن تكون اليوم في اليوم الثاني للحملة تملأ الميادين وتضغط بكل قواها لنصرة المرزوقي، وكل ساعة تمر دون أن تحسم النهضة موقفها وتنزل بكل ثقلها ينتفع منها نداء تونس، وقد تصل الحملة في الساعات أو الأيام القليلة القادمة إلى مرحلة اللارجعة ضد المرزوقي والثورة ولصالح نداء تونس والمنظومة القديمة. وموقف النهضة حاسم. المرزوقي لا ينتصر إذا لم تدعمه ماكينة النهضة بالوضوح والحماس اللازمين. دعم القواعد النهضاوية لا يكفي، لا بد من التنظيم أن ينزل بكل ثقله وخبرته.
إلى حد هذه اللحظة، قيادة النهضة تكبح حزبها والوقت لصالح النداء وهي تعلم، وتفعل ذلك عن وعي وهو خذلان المرزوقي والثورة من ورائه. وبالنظر لهذا التردد فان المتابعين يتوقعون للنهضة أن تأخذ موقفا “لايت” محايدا، تضمن به شيئا من تماسكها الداخلي وترضية الخارج والقوى المختلفة الضاغطة عليها لتلعب الدور الغير سوي.
تقدم الأقلية المدافعة على تأييد النهضة لنداء تونس حجة واهية وتتمثل في الخوف من تحالف بين النداء واليسار يقصون به النهضة من الحكم ويعودون بتونس لما كانت عليه قبل الثورة، وهي مخادعة ومغالطة تجد لها قبولا لدى بعض النهضاويين. والحقيقة التي تدعمها الأرقام أن نداء تونس واليسار لا يمكنهما أن يحكما تونس فضلا عن أن يفرضا عليها رجعة إلى سالف الأيام. هذان الطرفان استنفذا كل وعائهما الانتخابي مرة واحدة في الانتخابات التشريعية خلافا للتيار الثوري الذي يحتفظ بأكثر من مليون من الشباب لم يقتنع بجدوى التشريعيات، لكنه لا شك ينحاز للمرزوقي في الرئاسيات. هذا كما أن تحالفا بين النداء واليسار يحصل بصعوبة على الأغلبية البسيطة ولا يمكنه أن يحكم بذلك، خاصة وأن عوامل الانقسام والفرقة فيه ليست غائبة. تعلم قيادة النهضة كل ذلك لكنها تناور وتحاول لــّـي ذراع قواعدها لغاية في نفس يعقوب، قلبا للحقائق وإرضاء للخارج ولتحقيق مصالح شخصية وبحثا عن الحماية من أخطاء الحكم.
أيها النهضاوي كفاك خوفا، كفاك ترددا، أبديت وعيا كبيرا باستماتتك في إنجاح قائمات مفروضة عليك تصدرها بقرار منهم أناس قدامى تموقعوا في تنظيم الحركة، أجلوا مؤتمرها ومنعوا التقييم والمحاسبة. أديت واجبك وحفظت للنهضة وعائها الانتخابي وأبقيت عليها رقما صعبا في المشهد السياسي، فلا تترك الثورة تؤتى من قبلك، واقطع الطريق على المنظومة القديمة فهي فارغة رغم شراستها، وهي ليست حلا لتونس رغم تأييد الخارج لها كما أن السيسي ليس حلا لمصر. أيها النهضاوي لا تسمع لمن يخوفك من عواقب فشل المرزوقي إن ساندته النهضة، بل اعمل ما بوسعك لإنجاحه، واعلم أنك إن وجدت في المرزوقي بعض نقاط ضعف فان في رجال المنظومة القديمة العيب كل العيب.
أخي النهضاوي دعني أختم لك هذا المقال بقصة من تاريخنا المشرق. وقعت منذ أربعة عشر قرنا في سبيطلة العظيمة من ولاية القصرين الصامدة. واقعة شهد التاريخ فيها تسلم أمتنا لراية العزة والحضارة لما كان جيش المسلمين بقيادة عبد الله بن أبي سرح في سجال مع الجيش البيزنطي بقيادة ملكه جرجير الذي انتقل من قرطاج إلى مكان المعركة الذي أخذ اسم ابنته سفيطلة. نادى مناديه أن من قتل قائد المسلمين ابن أبي سرح زوجته ابنتي واقتسمت معه ملكي. خاف المسلمون كما هي خائفة نهضك اليوم واقترح القادة وأصحاب الرأي على ابن أبي سرح أن يبقى في مؤخرة المعسكر لان مقتله سيكون كاريثيا على الجيش الإسلامي، كما يدلل بعضهم اليوم أن مساندة المرزوقي قد تكون كاريثية على النهضة…
وكان أن تأخر المسلمون في فتح تونس، واستبطأ الخليفة في المدينة عثمان بن عفان رضي عنه الحسم فأرسل بطلا من عنده، تربى في بيت النبوة الشريفة، هو الصحابي الجليل عبد الله بن حواري رسول الله الزبير بن العوام… بحث عبد الله بن الزبير على عبد الله بن أبي سرح فوجده في المؤخرة، لامه ولم يقبل منه الأعذار وقال: لم لم تقلب الوعد ولم تناد في جيشك أن من قتل جرير أعطيته نصف ملك جرجير وتزوجه ابنته؟ وكان ذاك وكان النصر للمسلمين…
أيها النهضاوي لا تتخاذل، لا تسمع لقيادة غلبتها الحسابات الشخصية وكن سيدا على صوتك نافح به عن ثورتك وبلادك

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock