أخبار عالمية

عبد الباري عطوان يكتب : مصر على وشك الوقوع في مصيدة “داعش”..

عبد الباري عطوان

نستطيع ان نقول،  ودون اي تردد، ان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وقع في المصيدة التي اعدها له فرع “الدولة الاسلامية” في ليبيا عندما ارسل طائراته لقصف عشوائي لمواقع متشددين اسلاميين في مدينة درنة شرق البلاد التي يسيطرون عليها.

لا نجادل مطلقا في ان جريمة ذبح 21 مصريا على ايدي عناصر تابعة لـ”الدولة الاسلامية” اصابت الرأي العام المصري بحالة من الصدمة والرعب والغضب، وشكلت ضغطا على الرئيس المصري لدفعه نحو الاقدام على خطوة انتقامية ثأرا لدماء الضحايا، ولكن ردود فعل الدول يجب ان تكون مختلفة كليا عن ردود افعال الجماعات الارهابية، من حيث التأني ودراسة كل الاحتمالات دراسة متعمقة لتجنب الاقدام على خطوات تؤدي الى نتائج تخدم اجندات هذه الجماعات.

داعش-تنشر-فيديو-لإعدام-21-مصريا-في-ليبيا-2

صحيح ان هناك استعدادات ايطالية وفرنسية وربما امريكية للتدخل العسكري في ليبيا، ولكن هذا التدخل سيقتصر على القصف الجوي على غرار التدخل الاول الذي اطاح بحكومة العقيد معمر القذافي، وهو التدخل الذي زاد من الازمة تعقيدا، وحول ليبيا الى دولة فاشلة تحكمها الميليشيات، وتفتقد الى الاستقرار والامن، وتنهشها التقسيمات المناطقية والقبلية.

“الدولة الاسلامية” التي تجر العالم الى حروب في العراق وسورية واليمن، وقريبا ليبيا، هي نتاج التدخلات العسكرية الغربية في المنطقة العربية، فالاحتلال الامريكي للعراق هو الذي وفر الحاضنة لنمو بذرتها الاولى، فالنواة الصلبة لهذه الدولة تتكون من ضباط الحرس الجمهوري وقوات الامن والجيش العراقي الذي حلهم الحاكم الامريكي بول بريمر وقذف بهم الى الشوارع دون اي تعويض مالي او معنوي استجابة لمطالب وتوصيات واجندات طائفية لبعض العراقيين الذين تحولوا الى مستشارين للغازي الامريكي، وتصدروا واجهات المعارضة العراقية، وخرجوا بنظريات طائفية صرفة مثل اجتثاث البعث واستئثار طائفة بالسلطة، وتقسيم البلاد على اسس المحاصصة الطائفية مثلما انعكس لك بجلاء في تركيبة مجلس الحكم.

حلف الناتو وتدخله العسكري تحت اكاذيب مفبركة هو الذي اوصل ليبيا الى هذا الوضع المزري، وتكرار هذا التدخل من الدول نفسها قد يؤدي الى وقوع مجازر ضخمة في صفوف المدنيين خاصة اننا لا نعلم حتى هذه اللحظة كم مواطنا ليبيا قتل من جراء التدخل الاول.

مقاتلوا “الدولة الاسلامية” لا يهمهم اتهامهم بالدموية والاجرام وكل الصفات الاخرى، بل يجدون فيها مدحا لهم وخدمة لاستراتيجيتهم، واقدامهم على ذبح المصريين الاقباط الابرياء خطة مدروسة لاستفزاز النظام المصري وجره الى التورط عسكريا، وارسال قوات برية لمحاربتهم، فهؤلاء لا يملكون الوسائل الدفاعية التي تمكنهم من اسقاط طائرات تقصفهم من الجو، ولكنهم يملكون الاسلحة القادرة على مواجهة اي قوات ارضية بفاعلية، وتكبيدها خسائر كبيرة، واستيلائهم على مدن مثل الموصل والرقة ودير الزور في العراق وسورية دون مقاومة حقيقية من الجيشين العراقي والسوري احد الامثلة في هذا الصدد.

القيادة المصرية المتحمسة جدا للتدخل عسكريا في ليبيا، وتحشد دول اوروبية مثل ايطاليا وفرنسا لمشاركتها في هذه المغامرة تقف على ابواب حرب استنزاف ثانية على حدودها الغربية ودون ان تنتصر في حرب استنزاف اولى اقل خطرا في سيناء، واذا كانت قناة السويس تشكل حاجزا مائيا طبيعيا يحول دون وصول الجماعات المتشددة وعناصرها الى العمق المصري في القاهرة وغيرها، فان الحال ليس كذلك فيما يتعلق بالجبهة الليبية التي على وشك ان تفتح، فالقبائل واحدة على جانبي الحدود، والصحراء شاسعة وخالية وحراستها مسألة معقدة، والجيش المصري غير مؤهل لخوض حرب عصابات قد تمتد لسنوات.

هناك اطراف عديدة، عربية ودولية، تريد توريط مصر وجيشها في حرب دموية، وبما يؤدي الى انهاكه او حله على غرار ما حصل للجيشين العراقي والسوري، فهو الجيش العربي الوحيد الذي بقي متماسكا، ويبدو ان هذا التماسك بات يقلق الكثيرين خاصة في اسرائيل.

مصر لا تتحمل اي حرب استنزاف جديدة، مثلما لا تستطيع في ظل ظروفها المالية والاقتصادية الصعبة ان تتحمل كلفة هذه الحرب ماديا وبشريا، والاهم من ذلك الانزلاق الى مصير معظم دول المنطقة، والكبرى منها خاصة، اي ان تتحول الى دولة شبه فاشلة او فاشلة بالكامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock