الرئيسية » تونس » لماذا أنكرت تونس وجود قواعد أمريكية على أراضيها ؟

لماذا أنكرت تونس وجود قواعد أمريكية على أراضيها ؟

لماذا أنكرت تونس وجود قواعد أمريكية على أراضيها ؟
——-
اهتزت تونس على وقع خبر نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية حول تعاون أمني بين الولايات المتحدة والحكومة التونسية في محاربة الإرهاب في ليبيا، ترتب عنه إقلاع طائرات أمريكية من دون طيار من الأراضي التونسية لتنفيذ عمليات في ليبيا.
كان واضحا من الوهلة الأولى أن تقرير الصحيفة الأمريكية يتضمن قدرا كبيرا من الدقة، وإن لم يُعتبر، بمقاييس العمل الصحافي والإعلامي الأمريكي، سبقا خطيرا، فالصحف والمطبوعات الأمريكية تورد باستمرار مثل ذلك التقرير وما تضمنه من معلومات عن دول أخرى في القارات الخمس.
في البداية أنكرت تونس رسميا ما تضمنه التقرير. ونفت وجود طائرات بلا طيار تقلع من أراضيها. لكن بعد ساعات عاد وزير الدفاع فرحات الحرشاني ليعترف بأنه بلاده استلمت طائرات من دون طيار من الولايات المتحدة، و»ذلك في إطار التعاون وتبادل المعلومات والتكنولوجيا». علما أن تقرير «واشنطن بوست» لم يقل أكثر من ذلك، ولكن بلغة أكثر وضوحا ودقة.
الارتباك التونسي، ثم رد الفعل الرسمي على تقرير الصحيفة هو نسخة مطابقة لرد فعل أي حكومة عربية. تونس ليست استثناء، بل ربما الأقل غموضا والأكثر اعترافا بحجمها وواقعها. لو كان التقرير عن أي دولة عربية أخرى كنا سنقرأ بيانات الانكار ذاتها بلغة أقسى ربما، على الرغم من أن محرر البيان أو من يأمر به يدرك تماما أنه لا يقوم سوى بتضليل شعبه وأن الحقيقة ستنكشف ساطعة عاجلا أم آجلا.
في الحالة التونسية أدرك الوزير الحرشاني ألا فائدة من الإنكار فاستدرك الأمر قبل أن ينقلب على وزارته.
هناك حقائق يجب الوقوف عندها في الحالة التونسية، وهي آخر الحالات ولن تكون الأخيرة.
أولها غياب الجرأة السياسية لدى الحكومة التونسية، ومثلها الحكومات العربية قاطبة، على الإقرار بموقف أو اتجاه سياسي معين قد يبدو للوهلة الأولى خاطئا، ثم الدفاع عنه. كذلك غياب ثقة هذه الحكومات في شعوبها، الثقة التي كان يجب أن تجعل هذه الحكومات لا تخفي ما تقوم به، وإن أخفته لدواعي أمن قومي أو أسباب أخرى وجيهة، تعترف به بسهولة وبدون إرباك إن انكشف الأمر، كما حدث في الحالة التونسية.
الحالة التي أمامنا تكشف كم هي حاضرة الولايات المتحدة في أمننا واقتصادنا وسياستنا، وفي الوقت ذاته كم هي «مغيّبة» بفعل الإنكار والعناد. وتكشف كم هي مسكينة هذه الحكومات التي لا تستطيع رفض طلب لأمريكا، ثم يحرجها أن يعرف «الآخر» ما هو في الحقيقة تحصيل حاصل. لا شك أن المسؤولين الأمريكيين يضحكون ملء أفواههم وهم يستمتعون بارتباك الحكام العرب في مثل هذه المواقف، أو يطلبون منهم إبقاء هذه أو تلك سراً!
لم يعد سرا أن عملاء الاستخبارات الأمريكية وخبراء البنتاغون حاضرون في كل مكان في العالم، من المغرب إلى إندونيسيا، ومن أوكرانيا ولاتفيا إلى جنوب أفريقيا. قد يختلف شكل وحجم الحضور، لكن في نهاية المطاف النتيجة واحدة: الولايات المتحدة حاضرة في كل مكان بالطريقة التي تراها تناسبها. والقاسم المشترك في كل جغرافيا الحضور هو محاربة الإرهاب وحماية المصالح الأمريكية خارج الولايات المتحدة.
الفرق أن هناك حكومات لا يقلقها ذلك ولا تأبه له، منطلقة من واقعية وتصالح داخلي، فتخلصت من عقدة حضور الأجنبي، حتى لو كان عسكريا وأمنيا. ذلك في مقابل حكومات أخرى (العربية على رأسها) تعيش حالة من الإنكار غير المجدي حتى عندما لم يعد الحضور الأمريكي وصمة عار طالما هناك اعتراف ضمني وعلني بأن الإرهاب أصبح عابرا للقارات ومحاربته تقتضي تنسيقا وتعاوناً دوليا عابرا للقارات أيضا.
ما تعيشه الحكومات العربية وتجسَّدَ في المثال التونسي نهاية الأسبوع الماضي يكشف عن انفصام عميق. لاحظ أن الحكومات العربية التي تتسابق إلى تزويد الولايات المتحدة بالمعلومات الأمنية (ليست كلها دقيقة طبعا) تسارع إلى إنكار تقرير صحافي عن هذا التعاون إذا كان لا يخدم نفاقها وانفصامها. ولاحظ أن الحكومات ذاتها التي تتباهى بأنها زودت واشنطن أو عاصمة غربية أخرى بمعلومات أمنية أفشلت مخططا إرهابيا ما، تسارع في الوقت ذاته إلى إنكار خبر عابر عن وجود أمريكي أو فرنسي فوق أراضيها.
هذه الحكومات التي لا تملك حرية قرارها وتتعاون مع الولايات المتحدة تحت الطاولة وفوق الطاولة، تحاول أن توهم شعوبها بأنها لا تزال تتمسك بسيادة انتهت أو تغيّر شكلها على الأقل.
هناك عِبَر يجب استخلاصها. أولها أن خطر الإرهاب بات أشد بحيث لا أحد سيعتب على الحكومة التونسية إذا ما سمحت لأمريكا بإطلاق طائرات بلا طيار من أراضيها. تونس في حالة حرب مع إرهاب خطير، وهي أحوج ما تكون لمساعدة أمنية لا يوجد أفضل من واشنطن لتوفيرها حتى وإن كانت الأخيرة تحمي نفسها ومصالحها من خلال مساعدتها تونس.
ربما حان الوقت ليفهم الذين يحكمون هذا الجزء من العالم أن الحضور الأمريكي، في الحالة التي أمامنا، أقل خطراً من إنكار وجوده. فأحد أوجه مآسينا مصدره عجزنا عن بلوغ الصدق مع أنفسنا.
.
موقع الرأي التونسي

image

اترك رد

لمشاهدة الموضوع
اضغط لايك

%d مدونون معجبون بهذه: