مقالات

ادّخر جهدك للحرب العالمية الثالثة!

أتذكر أني شاهدت فيلما يوغسلافيّا، في إطار مهرجان قرطاج السينمائي، مطلع الثمانينيات، يتمحور حول سيرة صحافي يحاول أن ينجز عمله بنزاهة في صلب مؤسسة إعلامية لم يكن لها خيار آنذاك سوى الامتثال الحرفي للتوجيهات السياسة الرسمية. ومعروف أن نظام المارشال تيتو قد تميز عن باقي الأنظمة الاشتراكية، أولا بالاستقلال التام عن الاتحاد السوفييتي حتى أثناء السطوة الستالينية، وثانيا بإتاحة هامش معقول من مشاركة العمال والموظفين في رسم الخطط وتنفيذها، في قطاعي الصناعة والخدمات وحتى في صلب الجامعات، في إطار ما كان يعرف آنذاك باسم «التسيير الذاتي» أو «الإدارة الذاتية».
إلا أن ذلك لم يكن يعني أن النظام يقبل بحرية التعبير أو استقلالية الإعلام. وقد أمكن لي عام 1983 القيام بزيارة، ضمن وفد طلابي، إلى مؤسسات إعلامية في بلغراد، مثل الإذاعة والتلفزيون وجريدة بوربا الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الحاكم، فلاحظت أن الصحافيين اليوغسلاف (لم يكن أحد يعرّف نفسه آنذاك بأنه صربي أو سلوفيني، الخ.)يتحدثون بحرية نسبية في المجالس الخاصة، ولكنهم كانوا ملتزمين بالخط الرسمي في التصريحات العلنية. وقد كان الشعار السائد حينها (بعد ثلاث سنوات من وفاة الزعيم) «ليس بعد تيتو إلا تيتو!»
وما أذكره هو أن الصحافي بطل الفيلم اليوغسلافي كان كلّما رأى زميلا له مغضبا من تكسر الطموحات الصحافية على صخر البيروقراطية، قال له: امسك أعصابك وادخر جهدك للحرب العالمية الثالثة! كانت الدعابة غالبة على العبارة، ولكنها ألقت في روعي واقعية هذا الاحتمال. كان السبب الأول آنذاك هو أن توازن الرعب بين القوتين العظميين يمكن أن يختل بمجرد إطلاق أي قذيفة نووية عن طريق الخطأ. وكان الخطأ واردا، ولا يزال. أما اليوم فإن العامل الأكبر في ترجيح احتمال وقوع الحرب العالمية الثالثة ليس العامل النووي، بل تخوف القوة السائدة (أمريكا) من القوة الصاعدة (الصين) ورغبتها في وقف هذا الصعود، تماما كما أن تخوف القوة السائدة (بريطانيا) من القوة الصاعدة (ألمانيا) قد كان الدافع الأساسي للحرب العالمية الأولى.

الذكاء الاصطناعي… الذي يبشرنا الخبراء بأنه سيطلق تسونامي يقضي على 47 بالمائة من وظائف العمل البشري في غضون الأعوام العشرين القادمة

وسواء وقعت المواجهة العسكرية أم لم تقع، فإن الحرب العالمية الثالثة قادمة لا محالة، إذا فهمت بالمعنى الذي يقصده النقابي الفرنسي المعروف برنار تيبو في كتابه الجديد «الحرب العالمية الثالثة ستكون اجتماعية». إذ إن الواقع الاجتماعي في معظم بلدان العالم قد تدهور تدهورا خطيرا بفعل تعطل التقدم الإنساني الذي ظل يعني طيلة عقود تقدما في الحقوق والحريات وتحسنا في مستوى المعيشة بالنسبة لمئات الملايين من العمال. ذلك أن البطالة تستفحل في كل مكان، وأن عشرات الملايين من الأطفال يضطرون إلى الانقطاع عن الدراسة لكسب لقمة العيش، وأن ما لا يقل عن 40 بالمائة من العمال في العالم يشتغلون دون عقود عمل، أي دون ضمانات، وأن أكثر من مليار ونصف المليار شخص يعيشون على أقل من ستة دولارات في اليوم. كما أن 70 بالمائة من سكان المعمورة لا يحظون بأي تأمين اجتماعي، هذا فضلا عن أن الحق في التمثيل النقابي وفي الإضراب منتهك في بلدان كثيرة، بل إن المطالبة به تعرّض لأقسى العقاب: قطع الأرزاق.
وقد عمّت موجة الانحطاط هذه حتى اجتاحت أوروبا الغربية ذاتها التي كانت تعدّ قلعة التقدم الاجتماعي. إذ صار المنطق السائد يصور الحقوق الاجتماعية على أنها امتيازات تعود إلى عهد بائد لأن الصيغة النيوليبرالية من العولمة قد حولت المنافسة إلى بقرة كونية مقدسة. إنها حرب اجتماعية عالمية حقيقية ضحاياها هم البشر. ولكن المنطق السائد لا يعترف للبشر حتى بكرامة اعتبارهم ضحايا، بل إنه يعدّهم مجرد «أضرار جانبية». حرب عالمية ثالثة بدأت تحصد مستقبل مئات الملايين، هذا حتى من قبل أن تبدأ النيوليبرالية في استخدام سلاحها الجديد الفتاك: الذكاء الاصطناعي… الذي يبشرنا الخبراء بأنه سيطلق تسونامي يقضي على 47 بالمائة من وظائف العمل البشري في غضون الأعوام العشرين القادمة. ذلك أن المعوّل من الآن فصاعدا هو على الولد المدلّل: الروبوت. أما الإنسان فإنه قد صار، حسب وصف باحثة سويسرية، «مجرد حبة رمل تعرقل الدورة الطبيعية للماكينة الإنتاجية»!

مالك التريكي / كاتب تونسي / القدس العربي

image

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: